18 يناير 2013

د/مضاوي الرشيد -السعودية : مخاض عسير


صورةيواجه النظام السعودياكبر أزمة عرفها في تاريخه المعاصر، تفوق بدرجات تلك التي واجهها في الماضي منذ تمرد الاخوان على سلطته الهشة عام 1927، مرورا بالانقلابات العسكرية في الخمسينات والستينات وحقبة عبد الناصر، ثم صدام حسين وغزوه للكويت، ناهيك عن احتلال الحرم عام 1979
أزمة اليوم تختلف عن الازمات السابقة، اذ انها داخلية بحتة فرضتها عوامل التغيير التي هبت على المنطقة العربية قبل 'الربيع العربي' وخلاله وستتزايد بعده، وهي أزمة النظام المستبد عندما يواجه وعي المجتمع وحراكه السلمي.
لقد تبلور هذا الوعي وتركز على خطاب الحقوق الانسانية والمدنية والسياسية، على خلفية صراع مسلح دار بين السلطة والتيارات الجهادية خلال اكثر من عقد كامل. استطاع الوعي الجديد ان يجند اطيافا مختلفة، بما فيها الجهات التي كانت تستسيغ العنف ولو فكريا، من دون ان تنخرط به عمليا، بالاضافة الى تيارات انبثقت لتؤصل لخطاب ثالث بين الثورة المسلحة والتفجير وقمع السلطة المستبدة واقصائها للمجتمع ومنعه من المشاركة السياسية، والحجر عليه امنيا وفكريا واقتصاديا وثقافيا. الوعي بالحقوق والمطالبة بها سلميا هو الخطر الوجودي على نظام سعودي اعتاد ان يمارس السلطة عن طريق تفعيل اربع ركائز للحكم التسلطي والتفرد بالسلطة السياسية، اولا: القوة المباشرة كالقتل في المواجهات بين اجهزة الامن والمواطنين (كما حصل في المنطقة الشرقية) او بالاعتقال التعسفي (كما حصل في مناطق المملكة المختلفة). ثانيا: القوة الناعمة الاعلامية او الاقتصادية الاولى تضلل الفكر وتفرض سرديات النظام على كل قضية وتمسح التفسيرات الاخرى من الذاكرة والوعي، والثانية تعتمد على شراء الولاء بالجزرة المقننة التي يدلو بها النظام لمن اختار الصمت ومجاراة عملية الاستبداد وقد تحبس الجزرة عند أي خلل او شبهة فيفصل احدهم من الوظيفة او تؤجل ترقيته الى اجل غير مسمى، ان دارت حوله شبهة تعتمد على اللغط او الوشاية، هذا ان لم تستبعد شرائح كاملة من فرص العمل والبعثات الدراسية او العلاج في الداخل والخارج. ثالثا يعتمد الحكم الاستبدادي على الوهم والوعود تحت بريق ما يسمى بالميزانيات الترليونية فيسيل لها اللعاب وتطير بها الفرحة عل وعسى ان تصيب بعض شظاياها الطبقات الاكثر حاجة لها.
وينتزع النظام القبول بممارساته التعسفية غير الشفافة عن طريق خلق حالة توقع وتأهب دائمة لتلك المكرمة الملكية، التي هي منذ البداية حق من حقوق الانسان وحريته التي تعرف على انها حرية من العوز والفقر والجوع والخوف والمرض، وليس كما يصورها البعض على انها حرية اقرب ما تكون للانحلال الاخلاقي، كما يحلو لمن ضاقت حدود فكره ان يزعم لينفرجمهوره من اسمى مصطلح تطلعت له البشرية جمعاء مهما كانت اعراقها ودياناتها والسنتها، ناهيك عن الحيوانات التي لا تطيق ان يحجر عليها في قفص، من الاسد الى الطير، فما بالك بالانسان؟ رابعا: يمارس النظام المستبد عملية استنزاف بطيئة ويحاصر المجتمع الى ان يصل حافة الهاوية، وتعتمد عملية الاستنزاف على سياسات تتخبط لتشتت فكر المجتمع ممثلا بسجن النظام السعودي، او بقتل احد الناشطين، ومن ثم يطلق سراح آخر وبعدها تتنوع الاطياف المسجونة فكريا ومذهبيا ومناطقيا، وبذلك يخلق حالة شتات فكري وتخبط هدفه التردد في مسيرة العمل الجماعي وقهر الروح البشرية حتى تصل هذه الروح الى مرحلة العبودية الطوعية، وتأتي بدون اكراه الى معبد المستبد لتنحر وتسلخ ومن ثم توزع قصصها على الرعية والمشاهدين كمثال حي على مبدأ لا اكراه في معصية ولي الامر. وبهذه الاساليب الاربعة تتكرس دعائم الاستبداد وتضمن استمراريتها. لكن من اسباب نجاح هذه الاساليب هو اولا واخيرا انعدام الوعي، وهو ما كانت تعاني السعودية منه منذ فترة لاسباب اجتماعية وتاريخية وحضارية كرست حالة غياب للوعي السياسي، خاصة بعد ان ارتبطت الممارسات السياسية بخطاب ديني تلاعب بعواطف المجتمع الدينية مستغلا وجود اطهر الاماكن واقدسها على الساحة السعودية. فاجتمعت السياسة والدين والجغرافيا لتكرس غيبوبة المجتمع عن قضاياه، وتفرز تيارات جنحت الى العنف لتحقيق مآربها، رغم ان العقود السابقة شهدت حراكا سياسيا سلميا كانت دوائره تدور في نخب مغلقة فشلت في التعاطي مع شرائح المجتمع العريضة فتقوقعت على ذاتها بعد موجة اعتقالات واسعة لرموزها في الستينات والسبعينات وحالات النفي والتهجير التي تعرضت لها نخبة صغيرة من الناشطين ظلت افكارهم محصورة في دوائر ضيقة غير قادرة على ان تصل الى المجتمع العريض.
التغيير الذي حصل خلال السنوات الماضية هو تفكك كل التيارات السياسية الفكرية الاسلامية وغيرها، خاصة العريضة بعد ضربات موجعة وجهتها لها القيادة السياسية مما حجمها فنجحت بعزل قياداتها عن الساحة الشعبية، خاصة بعد ان خلط الخطاب الرسمي بين الاسلام والاسلامي من جهة والارهاب من جهة اخرى، وشهدت التسعينات حملة الاعتقالات الواسعة التي غيبت رموز هذه التيارات، والتي بعد ان خرجت من السجن اتجهت الى إما مهادنة النظام او العمل تحت امرته او الابتعاد عن التصادم معه. وبقي الحال هكذا الى ان برز نوع من الوعي المختلف، وهو الوعي الحقوقي غير الملتزم بايديولوجية سوى ايديولوجية الحقوق والعمل القانوني، رغم محاولة هذا التيار تأصيل خطاب الحقوق في ثقافة اسلامية قديمة، وقد استطاع التيار الحقوقي ان ينجز الكثير خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الاربعة اعوام، من اهم انجازاته ترسيخ مفهوم الخيار الثالث بين استبداد النظام من جهة واستبداد العنف، خاصة ذلك المرتبط بمصطلحات قديمة كالخروج على ولي الامر وهو ما عهدت السلطة السعودية ان تطلقه على كل من خالف رأي ولاة الامر. وثانيا: نشر هذا الوعي من خلال كتيبات ومحاضرات وشبكات التواصل الالكترونية، لتصل الى اكثر من جهة وتفرض نفسها اعلاميا على الساحة السعودية، وثالثا المضي بمشروع الحراك على الارض من خلال تنظيم ومناصرة الاعتصامات السلمية، خاصة في قضية المساجين السياسيين الذين تتهمهم اجهزة الدولة بالارهاب وخلال المرحلة الاخيرة زجت اجهزة النظام بنساء المساجين في السجن لمدة 5 ايام لمجرد خروجهن في اعتصام صغير يطالب بمحاكمة اقاربهن او اطلاق سراحهم.
استطاع تيار الحقوق هذا الذي بدأ يستقطب طيفا مختلفا ومتباينا من المشجعين والتابعين والمؤيدين ليسوا بالضرورة مرتبطين بايديولوجية مسبقة ان يخترق حالة الركود التي وصل اليها الحراك السياسي في السعودية بعد سلسلة من البيانات والعرائض المقدمة لولاة الامر منذ عام 2003 وكان آخرها عرائض خلال بداية 'الربيع العربي' عام 2011، حيث طالبت شرائح كبيرة بسلسلة مطالب سياسية واقتصادية لم تلب منها القيادة اي بند حتى هذه اللحظة. ونتوقع ان ينمو هذا التيار ويكبر في المستقبل، ان هو استطاع ان يصمد امام السلطة التي بالضرورة تملك وسائل متعددة لمجابهته كالتي ذكرت في مطلع هذا المقال. والاخطر من اساليب القمع المباشرة او الناعمة على هذا التيار الناشئ ان يقع فريسة الاجنحة المتصارعة داخل الاسرة الحاكمة، التي قد تستعمله ضد من ينافسها ويملك القوة العسكرية الفعلية على الارض، فالخطر الحقيقي على اي تيار ناشئ في بلد كالسعودية حديث العهد بالعمل السياسي المكشوف ليس القمع والاعتقال، لان هذا من المتوقع في ظل نظام مستبد، ولكن الاستقطاب من قبل أجنحة حكم قوية ومتمكنة أمنيا واقتصاديا تستغل حالة الاستبداد والحجر على العمل السياسي المشروع والمعلن لتكسب نقاطا ضد من ينافسها في دوائر الحكم السعودية المغلقة، مما يخلق حالة تشكيك في ذهن بعض المراقبين تغذيها آلة السلطة الاعلامية لتسحب البساط من تحت المحاربين القدامى في هذا التيار او المنشدين لخطابه الحقوقي الجديد من الجيل الشاب، الذي يطمح للعمل السياسي تحت مظلة جديدة حضارية تجعله يلتحق بمسيرة الشباب العربي وغيره من الجيل الجديد في كل مكان.
ان كان النظام السعودي لا يعلم بالمخاضات العسيرة التي يمر بها المجتمع فهذه مصيبة، وان كان يعلم ويتجاهل التطورات السياسية والاجتماعية الحاصلة على الساحة فهذه مصيبة أعظم. فالاخطار التي يروجها النظام اعلاميا ويعتقد انها تهدد امنه وامن المجتمع لا تأتي من ايران او اخوان مصر او غيرهم، بما في ذلك 'القاعدة'، بل تأتي اليوم بحلة جديدة لن يستطيع بقوته المباشرة والناعمة من عصي الى جزر الى تضليل وقهر للروح ان يحصرها ويحد من خطرها. وان كانت السعودية قد مرت في السابق بمخاضات عسيرة الا ان الازمة الوجدانية التي يعيشها النظام تنبثق من تخلف اساليبه القمعية القديمة التي تواجه وعيا جديدا لن يتراجع بل سيزداد يوما بعد يوم. المجتمع قد بدأ يسير الى الامام والنظام مصمم على المسير الى الخلف في مسيرته هذه قد فشل في احتضان او التجاوب مع مولود الوعي الجديد.
*
كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق