28 يناير 2013

د/مضاوي الرشيد السعودية: الاستبداد يقتل الأب


يقوم الحكم المتسلط في السعودية على مبدأ الابوة ومفهومها المجتمعي فيتقمص شخصية الاب ليعممها على المجتمع ويتحول الملك تحت هذه المنظومة الى اب للجماعة ويرفع معنى الابوة الى لحظة قدسية وعصمة متسلحا بكبر العمر والموارد الاقتصادية والقوة المسلحة ليفرض نفسه على المجتمع كالاب البديل للامة ويتأرجح بين أبوة حنونة تهتم بشأن الرجال والنساء الذين تنتفي عنهم صفة بلوغ سن الرشد مهما كانت اعمارهم وقدراتهم وبين مفهوم الاب صاحب الرؤية الرشيدة التي تعلم خفايا المصلحة العامة للمجموعة الطفولية وتفهم اسرار تقرير مصيرها وتجد الحلول لكل مشاكلها وتوزع الثروة الاقتصادية حسب ما تقتضيه المصلحة العامة كذلك تتمتع هذه الابوة المتضخمة بقدرة فائقة على استشراف الحاجات المستقبلية فهي التي تخطط وتنظم مسيرة المستقبل حسب معادلات ومعطيات لا يفهمها الطفل او القاصر.
وينتقي الاب شخصيات يستشيرها ويختارها حسب معاييره فيضمن بذلك ضرورة الاستشارة ليظهر قراره وكأنها امتزاج لشخصيته بشخصية الابناء الابرار الذين يتطوعون بالنصيحة والرأي فتخرج قرارات السلطة الابوية وكأنها نتيجة اجماع وليس استفرادا بالقرار. كما تعتمد السلطة الابوية على خطاب حماية الابناء من المخاطر المحدقة بهم والتي لا يفكك طلاسمها سواه مستعينا بأجهزة حديثة وتقنية عالية فيحذرهم دوما من شر التمرد والخروج على الطاعة والثقة. وان خرج احدهم فيمد له يد الصفح تارة وتارة يصفعه صفعة قاتلة ليستأصل الارواح المتمردة خاصة تلك التي لم تفهم قوانين اللعبة السياسية الابوية التي تعود المجتمع على الانخراط بها وتمرس في تطبيقها ما عدا اقلية ترفض السلطة الابوية المطلقة وتحاول اثبات وجودها كشريحة راشدة قادرة على اختطاف زمام المبادرة وابداء رأيها كرأي مستقل عن الارادة الابوية. وتحت مظلة الابوة السياسية المعممة على المجتمع يجب على أب الاسرة الاجتماعية الصغيرة ان يتنازل عن حق الابوة للاب الاكبر والقائد العام الذي يتحول الى اب الامة حامي رجالها ونسائها فتأتي سلطته على حساب السلطة الابوية في الاسرة الصغيرة بل تطلب السلطة السياسية الابوية من جميع الاباء ان يتحولوا الى سند وعضد يساهم في تطويع بقية افراد الاسرة وخاصها شبابها ان تمرد او نسائها ان خرجن على القيم المعهودة التي تتطلب تثبيت مفاهيم التبعية وعدم التشكيك بجدواها او التمرد عليها.
وعلى مستوى اعلى من الاسرة الصغيرة تمتد سلطة الاب السياسي الى الحلقة الاكبر كالقبيلة مثلا فتختار السلطة السياسية من يمثلها وتحوله من ممثل للشريحة القبلية الى ممثل لها وتنيط به مهاما متعددة مثل تحوله الى واسطة بين السلطة السياسية الابوية وبقية عشيرته ليضبط لها ولاء هذه الشريحة فيصبح همزة وصل بين الدولة واجهزتها ومجتمعه وقاعدته الشعبية فتوصيته وتزكيته لفرد من افراد العشيرة ضرورة لاختراق اجهزة الدولة العسكرية والادارية وتعطيه ختما معنويا وحقيقيا يوصل الافراد الى مفاصل القرار وصناعته فلا وجود لهؤلاء الافراد الا بختمه وتزكيته كذلك توفر له السلطة الابوية السياسية مهمة وظيفية كمسؤول وعمدة وشيخ توصل الدولة من خلاله بعض النفع الى مجموعته الكبيرة فيفقد بذلك قاعدته الشعبية المستقلة ويصبح موظفا ابا اصغر من الاب السلطوي الكبير لكنه اكبر من ابناء وآباء شريحته الاجتماعية التي ينتمي اليها. نتيجة لهذه التحولات الاجتماعية والسياسية نجد ان شيوخ القبائل خاصة التي ميزتهم السلطة السياسية عن مجموعتهم باللقب والحضور في البلاط او حتى اواصر الزواج من السلطة استحقوا لقب شيوخ الختم لرمزية موقعهم الجديد كشيوخ قبائل تناط بهم مهمة ختم الاوراق في بيروقراطية الدولة مقابل الحظوة عند الاب الاكبر التي تؤدي الى التميز عن بقية المجموعة والارتفاع عنها اجتماعيا واقتصاديا ويكون بذلك قد تم قتل مفهوم مشيخة القبيلة كمشيخة تتميز في الماضي بمفاهيم المساواة الى مشيخة تدور في فلك سلطة الاب السياسي الكبير صاحب مهمة انتزاع السمع والطاعة من قبيلته للاب الاكبر مقابل الحظوة والتميز والترفع عن مجتمعه الضيق تحت نظام الاستبداد الابوي الذي تميز به النظام السعودي واصل جذوره منذ بداية عهده.
فقد قام هذا النظام على مدى عدة عقود بقتل الاب الاسري في محيط اسرته الصغيرة وكذلك الابواب الاخرى بمفهومها المجتمعي والقبلي وحول الاثنين معا الى ملحقات للسلطة تخترق بها الحلقات المجتمعة الصغيرة وتصل الى قلب المجتمع ونواته الاولى بمعنى الاسرة ومن ثم غيرها من كينونات ظلت قائمة على مر السنوات. وسخرت السلطة السياسية الابوية خطابها في تكريس مفهوم القائد الاب اعلاميا وسياسيا واقتصاديا ودفاعيا فأنتفت صفة وملامح الابوة البيولوجية والمجتمعية عن كل اب حقيقي ما عداها حتى تضخمت واصبحت سمة ملازمة واستراتيجية حقيقية يعيشها المجتمع بشرائحه العمرية المتعددة من الطفل الى الراشد وبذلك تكون السلطة قد استكملت مشروع القضاء على جميع الابوات التي قد تنافسها او تشاركها في سلطتها بل ذهبت الى ابعد من ذلك عندما اعطت اسمها ولقبها للمجموعة البشرية الخاضعة لابوتها فتقاربت المسافات وألغيت كل الالقاب ما عدا لقبها كمعرف تحمله المجموعة المنتمية للسلطة الابوية والتي لها الحق وحدها عن تنزع اللقب عن كل من تعتبره متمردا على خطوطها الحمراء وقوانين أبوتها المنغمسة في التمازج بين مفهوم الابوة التقليدية والابوة السلطوية المرتبطة بانشاء نظام ينزع عن الآخرين صفة الابوة ويرديهم قاصرين للاطفال الذين لم يبغلوا سن الرشد والوعي مهما اختلفت اعمارهم وقدراتهم الفكرية.
وهنا يطرح السؤال الوجيه نفسه ما هي تداعيات قتل الاستبداد لمفهوم الاب وانتزاعه من الاباء وتقمصه كشخصية للنظام التسلطي كسمة ملازمة له؟ او استراتيجية سياسية كطويعية للمجتمع؟ من اهم هذه التداعيات ما يلي. اولا: فقدان الاب البيولوجي او الرمزي للمجموعات لمفهوم قديم يعتمد على استقلاليته خاصة بعد ان همشته السلطة وتحوله الى اداة خاصة بعد ان همشته السلطة وتحوله الى اداة بيد السلطة معتمدا عليها في اعادة صياغة ذاته. ثانيا: استبدال هذا الاب البيولوجي سلطته القديمة بسلطة لا يستطيع ان يمارسها سوى على مجموعة ضيقة وقد يفرط في ممارستها كتعويض عن تهميشه كشخصية مستقلة حيث يظل ينازع منافسة السلطة له وتهميشه وتبعيته المطلوبة منه اما عن طريق شطحات التسلط والعنف او عن طريق التمادي في الطاعة للسلطة فيحرم على القاصرين اي عملية تمرد على السلطة السياسية ليعيد صياغة ذاته وتطمين السياسي انه يقوم بدوره المطلوب منه.
اما على صعيد المجتمع وخاصة شرائحه الشبابية فنجد اتجاهين يتنازعان كردات فعل على قتل السلطة السياسية للاب مجازيا وتهميشه فعلا الاول انتشار حالات التمرد الاجتماعي والسلوكي وتبني ممارسات توصف من قبل السلطة والاباء بالانحلال والشغب والانحطاط الاخلاقي من جهة والثاني لجوء بعض الشرائح الشبابية لانقاذ الاب المقتول والمهمش بترشيد حالة الصدمة التي تتلو قتل الاب سياسيا خاصة في حالات الاعتقال او التعذيب او الاهانة من قبل السلطة الابوية السياسية ونجد ان الشبيبة في السعودية قد جنحت الى هذين الخيارين فمنهم من تمرد في الشارع وتمرس بتقويض السلطة ليعيد نفسه ووجوده ويثبت انه هنا على الساحة اما البعض الآخر فتحرك لنصرة الاب المغيب او المهمش المقتول مجازيا وسياسيا فحمل قضيته رغم ان والده الشخصي لم يتعرض لحالات مثل التي ذكرناها فحراك بعض الشباب نصرة للمعتقلين او المغيبين دون محاكمة اثبتت اتجاه البعض الى خيار اعادة الاب بعد صدمة تهميشه واهانته ويبدو ذلك في الحراك الشبابي النسائي والذكوري الذي خرج يبحث عن الرجل المغيب خاصة ذلك الذي تعود المجتمع ان ينيط به دور وصفة ومفاهيم الابوة.
وبعد خروج النساء مطالبته 'برجل مغيب او مسجون او مقتول لم تعد الخيارات السابقة كالطاعة والالتزام بها تجاه السلطة الابوية السياسية خيار مستساغ خاصة وان تدبير شأن المرأة في مجتمع لا يزال ينفي عنها صفة الشخصية القانونية يصبح مستحيلا. وطالما ظلت السلطة السياسية الابوية تنتهك الابوة الحقيقية وتهمشها سيظل خيار الشباب والشابات نصرة للاب حقيقة واقعية ستستمر في المستقبل وطالما انتزعت هذه السلطة مفهوم الابوة من محيطها ومفاهيمها الاجتماعية وتقمصت شخصية الاب ستظل المعركة مستمرة بينها وبين هؤلاء الذين صحوا من صدمة الخطيئة الكبرى وهي خطيئة قتل الاب مجازيا وعلى ارض الواقع.
*د. مضاوي الرشيد- القدس العربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق