23 مايو، 2013

مخاوف في السعودية من "أزمة خلافة" محتملة


 تتقاذف السعودية منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي" أمواج القلاقل السياسية والإجتماعية الداخلية، في وقت يبحث فيه أعضاء أسْـرة آل سعود الحاكمة عن أقوم السّبل لامتِصاص الغضب المُتزايد بين النُّخب وإقرار بعض الإصلاحات التي لا تهدِّد قاعدة الحُكم.
فللمرة الأولى تحدّث مؤخّرا الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال عن كافة القضايا السياسية التي تخصّ المملكة العربية السعودية، ليطرح نفسه داعية للإصلاحات التي تُنادي بها قطاعات واسعة من النّخبة، مستفيدا من شبكة القنوات التليفزيونية التي يملِكها.

دافع الأمير، الذي يُعتبر "شابا" في العقْد السادس، قياسا على جيل أعمامه التسعيني، ومنهم الملك عبد الله بن عبد العزيز (89 عاما) وولي العهد سلمان بن عبد العزيز (78 عاما)، عن حقّ المرأة في قيادة السيارة، مُستدِلا بأن مَن يقود طائرته الخاصة، هي سيدة سعودية.

وقال الوليد بن طلال جملة مهمّة جدا في تغريدة نشرها على حسابه على موقع التّدوين المصغّـر "تويتر"، مفادها أن عصْر النعامة، على حسب تعبيره، قد ولّى وأن عصر الصراحة قد بدأ، مُضيفا قوله "بلادنا ميْدان فسيح للمُخلصين الصّادقين، فلا مجال للمُقصِّرين".

طبعا، أيَّـد الأمير سياسة الحكومة السعودية في طرد العمّال الأجانب، الذي تقدِّمه السلطات على أنه حلّ لمُشكل البطالة في البلد، لكنه ربطه أيضا بالإصلاح الاجتماعي وإعطاء المرأة السعودية حقوقها في العمل. ففي السعودية، يشتغل ثمانية ملايين عامل في وظائف دُنيا، غالبيتهم من بلدان شرق آسيا. واعتبر الوليد أن ترحيل هؤلاء العمال والسّماح للسيدات بقيادة السيارة، سيُساهمان في التخلّص من نصف مليون سائق وافد.

لكن الجدل حول قيادة السيارة، يصُبّ في الحقيقة في جوْهر الصِّراع بين المُحافظين الذين يعتبرون ذلك مُخالِـفا للأعراف الإجتماعية الراسخة، وبين مَن يروْن فيه شرطا لتحرير نِصف المجتمع، مما يعتبرونه تهميشا للمرأة.

أما الفريق الثالث، فيُقدم قضايا أخرى يعتبِرها ذات أولوية، مثل مشاكل السكن والبِطالة والطّلاق والعنوسة والأخطاء الطبية... وعلى رغم أن كثيرا من الشخصيات النافذة في الدولة، بمَن فيهم بعض الأُمراء، يؤيِّدون إدخال إصلاحات على النظام السياسي والإجتماعي، إلا أن هناك خوْفا من أن يقود التنازل للقِوى المُطالبة بالتغيير، إلى مُنزلق قد يكون بلا حدود ويعصِف بأركان الدولة أو في الأقل بحُكم عائلة آل سعود.

المتشدِّدون يتصدَّوْن للتغيير

ويظهر هذا الخوف في تصدّي القِوى المحافظة والمتشدِّدة لأية خُطوة إصلاحية، إذ ما أن تَـم في مطلع العام الجاري سحْب بعض الصلاحيات من موظّفي "هيئة الأمْر بالمعروف والنّهي عن المُنكر"، وهي بمثابة شرطة دينية، حتى تظاهَـر موظفو الهيئة قبل أسابيع، للمُطالبة بإعادة تلك الوظائف إليهم، بل وإقالة الرئيس العام للهيئة الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ.

إلا أن هذا الأخير، وهو من أركان السلطة، أجابهم بأن "الرِّئاسة دأبت على عدم الإلتِفات لأي شخص يرْنو إلى إعاقة القرارات الحكومية، الهادفة إلى تنمية الإنسان السعودي، اقتصادياً وثقافياً"، مُضيفا أن "فِئة المتشدِّدين تريد أن تبقى الرِّئاسة جِهازاً بعيداً عن المُرونة وأن يظل الإنفِلات سِمة مسؤولي الرِّئاسة وأعضائها".

ومن المُهم الإشارة هنا، إلى أن ذلك الصِّراع بين آل الشيخ والمتشدِّدين في الهيئة، جاء غَـداة صُدور قرار مجلس الوزراء، المُتضمّـن المُوافقة على تنظيم الرئاسة العامة لـ "هيئة الأمْر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر"، التي تتمتّع بنفوذ واسع في المملكة. فهي التي كانت مُكلَّـفة قانونيا بمكافحة عدّة مُخالفات، مثل التحرّش بالنساء وتعاطي الخمور والمخدّرات والإبتِزاز واستعمال السِّحر والشعوَذة.

في المقابل، كانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان (السعودية) أكّدت منذ عام 2009 أن الهيئة تتمتّع بسُلطات موسَّعة في مجال الإعتقال والتفتيش والتحقيق، مُعبِّرة عن مخاوِفها، ومِن ورائها نُخب كثيرة، من انتِهاك تلك الصلاحيات للحقوق الشخصية. وهكذا، تبلْـور حول الموقف من صلاحيات "هيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر"، تجاذب بين تياريْن اجتماعيين، الأول محافظ، والثاني مع التغيير.

ويعود الظهور الأول للحركات والشخصيات المُنادِية بالإصلاح، إلى ثمانينات القرن الماضي، عندما ارتفعت أصواتٌ تُطالب بإقرار إصلاحات جوهرية تحدّ من الحُكم المُطلّـق وتُوجّه البلاد نحو ملكية دستورية، لكن رموزها طُـورِدوا وسُجِـنوا أو حيل بينهم وبين إبلاغ صوتهم، أسْـوة بالشيخ محمد المسعري (وهو حاصل على الدكتوراه في الفيزياء النووية ويشغل حاليا منصب الأمين العام لحزب "التجديد الإسلامي" من مقَـر إقامته في لندن) والدكتور سعد الفقيه، مدير المستشفى التخصّصي والبروفسور في جامعة الملك سعود سابقا.

تباعُـد داخل الأُسْـرة

لم تبق هذه الحركة محْصورة في دائرة النّخب الداعية للإصلاح، وإنما كانت لها امتِداداتها داخل الأُسْـرة الحاكمة نفسها، سواء بين أمَـراء الجيل الثاني، أمثال الوليد بن طلال وأبناء الملك الرّاحل فيصل بن عبد العزيز، وغالبيتهم من الأدَباء والمثقَّـفين، أو حتى بين أبناء الملك المؤسّس عبد العزيز آل سعود أنفسهم.

وقد سبَّـبت الإنتِقادات التي عبَّـر عنها الأمير طلال بن عبد العزيز، المدافع عن المرأة والدّاعي إلى احترام الحريات داخل اجتماعات الأسْـرة، جفاءً بينه وبين أخيه الأكبر الملك فهد (1982 –2005)، ثم بينه وبين الملك عبد الله بعده، وإن بدرجة أقل.

ظهرت نتائج هذه التفاعلات داخل الأسْرة عندما تم تعديل طريقة توارث الملك، إذ بات "مجلس العائلة" هو الذي يختار الملك وولي عهده، وإن ظلّت القاعدة هي توريث الحُكم للأكبر سِنّـا بين أبناء الملك عبد العزيز.

واستجاب الحكم جزئيا لمطالب الإصلاح، بأن أقر في سبتمبر 2011 حقّ المرأة في الإنتخاب والترشّح خلال الإنتخابات البلدية، وهي الإنتخابات الوحيدة في السعودية حاليا، وكذلك بتسمِية السيِّدات ضِمن أعضاء مجلس الشورى للمرّة الأولى في تاريخ المملكة. كما بدأت بعض الإجراءات الإصلاحية تأخذ مَجْـراها نحو التطبيق، وإن بكثير من الحذر، مع استِمرار حملات قمْع المُعارضين في الوقت نفسه، والتي انتقدتها المنظمات العربية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان في مناسبات عديدة.

لكن، يمكن القول أن التطوّرات التي حصلت في أعقاب "الربيع العربي"، أتت مُختلفة تماما، إذ أن الشارع هو الذي تحرّك، وليست النُّخب المثقفة فقط، واتّجهت المطالِب والشعارات إلى رأْس الحُكم، ولم تقتصِر على مطالب إصلاحية في إطار النِّظام القائم. والأهم من ذلك، أنها أخذت منحىً طائفيا وجِهويا، إذ تركّزت في المنطقة الشرقية، حيث تقيم الأقلية الشيعية في الجزيرة العربية.

فبعد أيام فقط من الإطاحة بالجنرال زين العابدين بن علي في تونس، اندلعت مظاهرات عارمة في مدينة القطيف يوميْ 3 و4 مارس 2011، للمطالبة بإخلاء سبيل تِسعة نشطاء مُعتقلين منذ 13 عاما. وتجدّدت المسيرات يوميْ 17 و27 من الشهر نفسه، لكن تأييدا لمُظاهرات الشيعة في البحرين هذه المرّة، القريبة من القطيف، ما أسفَـر عن سقوط قتلى وجرحى بين المُتظاهرين.

وإزاء استِفحال الظاهرة وتوسّعها، خطّطت السلطات لاحتِواء الوضْع بطريقتيْن: الأولى، أمنية وقد اعتمدت على الإعتِقالات والمُحاكمات واندرج في إطارها إرسال قوّات إلى البحرين لإنهاء ما سُمي بـ "انتفاضة الشيعة". أما الثانية، فتوخَّـت القبْضة الناعمة من خلال اتِّخاذ إجراءات سياسية ترمي لـ "شراء" صمْت الفئات الشابة. وتُشكّل تلك الفئات العَمود الفِقري للسكّان في السعودية، كما أن نِسبة البِطالة بين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و24 سنة، تصل إلى 40%، بحسب إحصاءات موثوق في صِحَّتها.

ركيزتان

هكذا، واجهت السلطات السعودية المخاطِر الداخلية والخارجية بوَسيلتيْن، إذ أنفَقت أكثر من 130 مليار دولار منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، لمحاولة استمالة الفئات الغاضبة، وخاصة الشباب المتمرِّد، بحسب الباحث الأمريكي بروس ريدل Bruce Riedel. أما على الصعيد الخارجي، فقد عزّزت الرياض العلاقات مع واشنطن، عِلما أن السعودية هي أقدَم حليفٍ للولايات المتحدة في العالم العربي، إذ يعود التحالُف بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود إلى سنة 1945. لكن هذه الحلول لم تكُن كافيةً لاحتواء موْجات الإحتجاج، إذ اندَلعت مظاهرات هزّت المنطقة الشرقية الغنِية بالنّفط والمأهولة بالشيعة، استمرت سنة تقريبا. وهناك خِشية قوية من انتِشارها أيضا في المناطق الغربية، وُصولا إلى محافظة عسير، الفقيرة القريبة من اليمن، وحتى إلى الحجاز ومُدنه الرئيسية، جدّة ومكّة والمدينة والطائف.

ومما يُضاعف تلك المخاوِف، أن المعارضة السعودية تُسيْطر سيْطرة كبيرة على وسائل الإتِّصال الحديثة، مما يؤهِّـلها لبثِّ المعلومات والمواقِف بسُرعة فائِقة، سواء داخل السعودية أم باتِّجاه الخارج. وفي حال اندلاع احتجاجات جديدة وعلى نطاق أوْسع، تُعوّل الحكومة بالدرجة الأولى على قوات "الحرس الوطني"، التي أمضى الملك الحالي عُمره في تكوينها وتدريبها وتسليحها، لكي تكون بمثابة القوة الإنكِشارية المُدافعة عن النظام.

من جهة أخرى، لعبت الولايات المتحدة دوْرا بارزا في تجهيز "الحرَس الوطني" بالمِروحيات والسيارات المصفَّحة، بوصفه القوة المؤهّلة لقمْع أعمال الشَّغب والإنتفاضات الداخلية. لكن محللين غربيين تساءلوا، هل ستَـقدُم قوات "الحرس الوطني" على إطلاق النار على المُتظاهرين من أبناء البلد، خاصة إذا كانت المُظاهرات والإحتجاجات سِلمية؟ وهناك تساؤلات عمّا إذا كانت تلك القوات ستنقسِم على نفسها أم سترفُض تماما تنفيذ التَّوجيهات؟

وما يُعزز هذه المخاوف، أن غياب الملك الحالي وولي العهد، وكِلاهما يُعاني من أمراض كثيرة، قد يجعل الخِلافة لا تتِم بالسّلاسة التي اتسمت بها منذ وفاة الملك المؤسّس عبد العزيز سنة 1953، إذ ستخرج للمرة الأولى من دائرة أبنائه، لتدخُـل إلى دائرة الأحفاد مع ما يستتْـبع ذلك من صِراع مُحتمَـل بين أجنِحة الأسْـرة، قد يقود حسب البعض إلى "أزمة خِلافة".

وما يُضاعف من المخاوف، احتمال تشجيع إيران لشيعة المِنطقة الشرقية على التمرّد وحتى المُطالبة بالإنفِصال، في حال اندَلعت أزمة خِلافة من هذا النّوع تشلّ الدولة وتجعل النظام أكثر هشاشة وضُعفا. وفي جميع الإحتمالات، سيكون طريق الإصلاحات مَمرّا إجباريا للسعودية، ومن ورائِها لكافّة البلدان الخليجية، كي تستطيع مُواجهة التحدِّيات التي حملتها التطورات الإجتماعية والتغييرات التكنولوجية السّريعة وانتِشار الإعلام الجديد، الذي بات وسيلة تعبير واحتجاج مُتاحة للجميع، عجَزت السلطات في كل مكان عن إيقافها أو غلْقها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق