19 أبريل، 2013

السعودية تقترب من نهايتها ؟


 حقق التحالف السعودي الأميركي غايات لم يكن يطمح في تحقيقها قبل عشر سنوات او عشرين عاماً. استطاع خلال السنوات الاخيرة ان يبرهن على قدرته الفائقة على اعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط على النحو الذي يرضي الطموحات السعودية والأميركية في جوانبها الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية.

نجحت الولايات المتحدة في ان تخلق تقارباً غير مسبوق بين المملكة السعودية وإسرائيل. اختفى كلية اي خطر لمواجهة من اي نوع بين المملكة وإسرائيل، حتى في اقصى درجات تصل اليها المواجهة بين إسرائيل وأي من الاطراف العربية، وبصفة خاصة الطرف الفلسطيني. وصلت «العلاقات» بين المملكة السعودية وإسرائيل الى درجة من الوئام لا حاجة فيها الى بحث شكل رسمي او شبه رسمي للعلاقات بين الدولتين. ومن المؤكد ان صعود الإخوان المسلمين الى الحكم في مصر قد ساعد كثيراً في تمكين العلاقات السعودية – الإسرائيلية من تحقيق درجة الوئام والهدوء على الرغم من ان العلاقات السعودية الاخوانية لم تتميز بتطور نحو الأفضل على الصعيد السعودي نفسه.

إنما من المؤكد ان الموقف الذي اتخذه الاخوان المسلمون في الحكم في مصر تجاه كل من الولايات المتحدة واسرائيل قد ساعد كثيراً على إضفاء نوع من الشرعية على العلاقات السعودية – الاسرائيلية في شكلها الجديد.

في الوقت نفسه فإن صعود «الإخوان المسلمين» الى الحكم في مصر جاء ضمن تطورات في المنطقة العربية تمت تحت تأثير الثورات «الربيع العربي».

وربما يكون«الربيع العربي» قد تجمدت عند حدود تونس ومصر وليبيا، بينما لا تزال المحاولة جارية في سوريا واليمن، الا ان الولايات المتحدة تبدو قانعة بأن المنطقة العربية بأسرها وبلا استثناء اصبحت تدخل في اطار النفوذ الاميركي، على الرغم من شواهد عدم الاستقرار التي تبدو في كل من مصر وليبيا وتونس واليمن، فضلاً عن شواهد فشل «الربيع العربي» في إخضاع سوريا بصورة حاسمة ونهائية.

غير أن أخطر ما يواجه التحالف السعودي – الاميركي الآن هو الوضع الداخلي السعودي ذاته.

إن الوضع الداخلي السعودي يبدو الآن شديد الشبه بما نال الاقطار العربية التي طالتها ظواهر «الربيع العربي». وربما نلمح في الوضع السعودي الراهن سمات تخص الوضع السعودي على النحو نفسه الذي نلمحه في الوضع الخاص بكل بلد اجتاحته ظاهرة «الربيع العربي» قبل ذلك. فإن لكل قطر عربي خصائصه الداخلية التي تجعله يتفاعل بشكل مختلف عن غيره مع هذه الظواهر.

وحينما نتحدث عن الوضع الداخلي السعودي فإننا ينبغي ان نتنبه الى ان الولايات المتحدة تشكل جزءاً من هذا الوضع الداخلي. لأن الولايات المتحدة تلعب دوراً جوهرياً وعميقاً في الامن السعودي وفي التوجهات السعودية السياسية التي تشكل هذا الوضع الداخلي. ولهذا يبدو الآن أن الوضع الداخلي السعودي اصبح يشكل مصدر قلق للولايات المتحدة اكثر من اي وقت مضى، بعد ان كان اطمئنان الحكم الاميركي على الوضع السعودي يسمح للولايات المتحدة بأن ترتب اوضاع المنطقة المحيطة بالسعودية، ونعني بصفة خاصة أقطار الخليج العربية.

ومما لا شك فيه ان الاوضاع السعودية وأوضاع اقطار الخليج العربية تتبادل التأثير في الظروف الراهنة. السعودية تتأثر حتى داخلياً نتيجة اهتزاز الاوضاع في بلدان مثل البحرين والامارات، كما تتأثر بميل قطر المبالغ فيه لمنافسة السعودية على دور قيادي مؤثر في المنطقة ككل، وربما في ما هو اوسع من هذه المنطقة.

الا ان التطورات الداخلية السعودية تلعب اكثر الادوار تأثيرا في اقطار الخليج على الرغم من اتخاذ كل من هذه الاقطار مواقف تدّعي الاستقلالية، بينما الكل يقع تحت المظلة الاميركية التي تؤدي في الوقت نفسه دور الحماية ودور المستفيد معاً.

فما هي التطورات الداخلية السعودية التي تهدد التحالف السعودي – الاميركي؟

كتب المحلل السياسي الاميركي سايمون هندرسون في هذا الصدد يقول «على الرغم من ثروة المملكة العربية السعودية والاعانات السخية التي تقدمها لسكان البلاد لا يزال ثمة تباين اقتصادي هائل بين ابناء الشعب. ومنذ اندلاع الاحتجاجات في انحاء كثيرة من العالم العربي في العام 2011 زادت الحكومة إعانات الدعم والرواتب الحكومية لتخفيف حدة السخط الداخلي.

ولكن لا يزال هناك الكثير من الاستياء. كما انه في احد اطراف المملكة توجد اجزاء من مجتمعات الاغلبية السنية التي يشتبه في تعاطفها مع تنظيم «القاعدة». في حين توجد على الطرف الآخر ثورة مستعرة من جانب الإقلية الشيعية، الذين يُنظر اليهم تقليدياً من قبل السنة المتشددين كمواطنين من الدرجة الثانية، وربما حتى على انهم غير لائقين بالاسلام. وفي وقت سابق من هذا الشهر اعلنت السلطات السعودية عن اعتقال ستة عشر شيعياً، واتهمتهم بجمع المعلومات عن المنشآت الهامة في المملكة لمصلحة بلد آخر، وهي عبارة يفترض انها تعني ايران.

وأشار هندرسون في السياق نفسه الى انه في 15 آذار الماضي، أرسل الشيخ سلمان العودة، صاحب التأثير الكبير، خطاباً مفتوحاً على صفحاته في «فيس بوك» و «تويتر» حيث يقال إن لديه أتباعاً يصل عددهم الى 2,4 مليون شخص، حذر فيه العائلة المالكة من الظلم والفساد الذي تتبعه. وكان الدافع الى ارسال هذا التحذير الخطير في هذه الرسالة هو حادث وقع في الاسبوع السابق، عندما حُكم على اثنين من النشطاء السياسيين سعودين بالسجن بعد محاكمة استمرت سبعة اشهر، لنشرهما انتقادات «كاذبة» للحكومة السعودية من خلال وسائل الاعلام الاجتماعية.

وعلى الرغم من التعتيم الذي فرض على القصة برمتها من قبل وسائل الاعلام (الرسمية) أرسل النشطاء انفسهم تغريدات عن طريق موقع «تويتر» حول تفاصيل القضية. وفي الوقت نفسه استؤنفت محاكمة ناشط آخر، وهذه المرة بتهمة إهانة القضاء والتحدث الى وسائل الاعلام الاجنبية والاتصال بمنظمات حقوق الانسان الدولية التي تعمل كمؤسسات رقابة.

ومن الواضح ان ما كتبه الاميركي هندرسون يتعلق أساساً بأوضاع الديموقراطية والمآزق التي تعاني منها في السعودية. ولكن ما كتبه المحللون الاميركيون في الفترة الاخيرة عن ظواهر الفساد في المملكة السعودية يكاد يتجاوز ذلك.

فخلال العقود الاخيرة كان عدد كبير من افراد البيت المالك السعودي محلاً للشكوى بسبب حصولهم على فوائد مالية استناداً الى وضعهم الملكي، فضلا عن تعاملهم بنمط سلوكي يتسم بالتعالي.

وفي هذا الصدد اقيمت في شهر آذار/مارس الماضي دعوى قضائية في بريطانيا رفضت فيها احدى محاكم لندن دعوى لتوفير الحصانة الديبلوماسية لشخصين سعوديين بارزين يحتلان موقعاً بارزاً في هيئة البيعة التي تلعب دوراً اساسياً في تحديد ملك السعودية القادم. وفي خضم هذا التشاحن القانوني ظهر نزاع تجاري بين الأمراء وشريك سابق لهم في مجال الاعمال من الجنسية الاردنية، ما دفع القاضي البريطاني الى توجيه نقد حاد للعائلة المالكة السعودية. وتضمن قرار القاضي ان العديد من امراء السعودية، الذين يبلغ عددهم نحو خمسة آلاف أمير، يحصلون على جوازات سفر ديبلوماسية ويسمح لهم بتجنب كافة الامور المتعلقة بإجراءات الهجرة العادية لدى وصولهم الى بريطانيا.

وليست هذه القضية سوى مثل واحد بين امثلة عديدة على الحرج الذي تمثله امتيازات الامراء السعوديين للدول الاخرى، بما فيها الدول الحليفة للسعودية. ويشمل هذا الولايات المتحدة، التي يعرف القاصي والداني انها تتوخى الحذر بشأن تقديم النصائح السياسية الى المملكة السعودية وخاصة في ما يتعلق بالمشكلات الداخلية. مع ذلك فإن هذا الحذر الاميركي تجاه امراء المملكة السعودية لا يصل الى حد تجاهل القوانين الاميركية. وقد ذكر السفير الاميركي جيمس سميث مؤخراً ان هناك ثلاث ركائز للعلاقات الثنائية (بين الولايات المتحدة والمملكة السعودية) هي امن النفط والاستقرار ومكافحة الارهاب، اما الضغوط المتعلقة بحقوق الانسان والتغيير السياسي فقد كانت غير منتجة.

بالإضافة الى هذا كله فإن اهمية السعودية النفطية للولايات المتحدة توشك على بلوغ نهايتها بعد ان تبين ان الولايات المتحدة تملك احتياطياً نفطياً هائلاً يعد بتحولها الى دولة مصدرة للنفط. الامر الذي يقصر اهمية السعودية على الجانب الإستراتيجي العسكري، بل ان هذا الجانب نفسه يصبح معرضاً للتراجع والزوال بسبب ارتباطه بالحاجة الى النفط. لهذا فإن ما يصفه الكاتب الاميركي هندرسون بأنه «عاصفة كاملة من التحديات الداخلية في المملكة العربية السعودية» انما ينذر بما هو اخطر تأثيراً على العلاقات السعودية – الاميركية من مستقبل العلاقات النفطية ومستقبل العلاقات الإستراتيجية بين البلدين.

لقد استطاعت الولايات المتحدة ان تصون النظام الملكي السعودي لنحو قرن من الزمان من خلال العلاقات النفطية والإستراتيجية معه. وطوال هذه الفترة واجهت الولايات المتحدة تحديات محدودة في هذه المنطقة من الوطن العربي، ولكنها ستجد نفسها في هذه المرة في مواجهة تحديات لم يسبق لها مثيل.

ذلك لأن سقوط المملكة السعودية سيذهب معه بالنظام النفطي السائد في المنطقة ككل. لن تستطيع أي من أقطار النفط الخليجية ان تحافظ على بقائها. ولن يكون من مصلحة الولايات المتحدة أن تقف الى جانب النظم القديمة لمجرد الاستمرار. بل إن الولايات المتحدة نفسها ستكون دولة اخرى ذات ملامح ومصالح مغايرة لملامحها ومصالحها الحالية.

لهذا فإن التحالف السعودي – الاميركي، بصورته الراهنة، يقترب من الزوال بأسرع مما هو متصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق